في تفسير قوله تعالى : " الـم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ " (الروم:1-5) .
ذكر ابن كثير (يرحمه الله) قول ابن عباس (رضي الله عنهما) حيث قال : كان المشركون يحبون أن تظهر فارس علي الروم لأنهم أصحاب أوثان , وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم علي فارس , لأنهم كانوا من أهل الكتاب , فذكر ذلك لأبي بكر (رضي الله عنه) , فذكره أبو بكر لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) , فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " أما إنهم سيغلبون " , فذكره أبو بكر للمشركين , فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا , فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا , وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا , فجعل أجل خمس سنين , فلم يظهروا , فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال : " ألا جعلتها إلى دون العشر؟ " , ثم ظهرت الروم بعد , قال فذلك قوله تعالى: " الـم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ " (الروم:1-5) .
وأضاف بن كثير عدة روايات أخري للحديث عن كل من مسروق , وابن مسعود , وعكرمة (رضي الله عنهم أجمعين) في المعني نفسه , وزاد قوله:وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم , ويقال لهم بنو الأصفر , وكانوا علي دين اليونان; واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك , وكانوا يعبدون الكواكب السيارة , وهم الذين أسسوا دمشق وبنوا معبدها , فكان الروم علي دينهم إلي بعد مبعث المسيح (عليه السلام) بنحو من ثلاثمائة سنة , وكان من ملك منهم الشام مع الجزيرة يقال له (قيصر); فكان أول من دخل في دين النصارى من الروم (قسطنطين); وأمه مريم الهيلانية من أرض حران وكانت قد تنصرت قبله فدعته إلي دينها , واستمروا علي النصرانية , كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده حتى كان آخرهم (هرقل) , فناوأه كسري ملك الفرس , وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر , وكانوا مجوسا يعبدون النار , فتقدم عن عكرمة (رضي الله عنه) أنه قال: بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه , والمشهور أن كسري غزاه بنفسه في بلاده فقهره , وكسره وقصره حتى لم يبق معه سوي مدينة قسطنطينية فحاصره بها مدة طويلة حتى ضاقت عليه , ولم يقدر كسري علي فتح البلدة , ولا أمكنه ذلك لحصانتها , لأن نصفها من ناحية البر , ونصفها الآخر من ناحية البحر , فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هناك , ثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين وهي تسع , فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلي التسع .
وذكر صاحبا تفسير الجلالين (يرحمهما الله) كلاما موجزا في المعني نفسه , وأضافا تعليقا علي التعبير القرآني (في أدني الأرض) أن المقصود به:[ أقرب أرض الروم إلي فارس بالجزيرة , التقي فيها الجيشان , والبادي بالغزو (هم) الفرس .] .
وجاء في الظلال (رحم الله كاتبها رحمة واسعة) ما نصه : ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين , وأضاف رواية عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) مؤكدا أن هذا الحادث قد وردت فيه روايات كثيرة , تتفق كلها في المعني والدلالة , وتختلف في الألفاظ وطرائق التعبير .
وجمع الكاتب (رحمه الله) من هذه الآيات القرآنية الكريمة عددا من الإيحاءات منها : الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان; ومنها الثقة المطلقة في وعد الله كما تبدو في قولة أبي بكر (رضي الله عنه) في غير تلعثم ولا تردد , والمشركون يعجبون من قول صاحبه , فما يزيد علي أن يقول: صدق , ويراهنونه فيراهن وهو واثق , ثم يتحقق وعد الله , في الأجل الذي حدده: في بضع سنين .
والإيحاء الثالث وهو المسارعة برد الأمر كله لله , في هذا الحادث وفي سواه , وتقرير هذه الحقيقة الكلية , لتكون ميزان الموقف , وميزان كل موقف , فالنصر والهزيمة , وظهور الدول ودثورها , وقوتها وضعفها , شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن أحوال , مرده كله إلي الله .
